ملا محمد مهدي النراقي

287

جامع السعادات

وأما علاج الثاني : - أعني كراهة الذم - فيعلم بالمقايسة على علاج حب المدح . والقول الوجيز فيه : إن من يذمك إن كان صادقا وقصده النصح والإرشاد ، فلا ينبغي أن تبغضه وتغضب عليه ، بل ينبغي أن تفرح وتجتهد في إزالة الصفة المذمومة عن نفسك ، وما أقبح بالمؤمن أن يغضب على من يحسن إليه ويريد هدايته وإن كان قصده الإيذاء والتعنت ، فلا ينبغي لك أيضا أن تبغضه وتكره ذلك ، لأنه أرشدك إلى عيبك إن كنت جاهلا به ، وذكرك إياه إن كنت غافلا عنه ، وقبحه في عينك إن كنت متذكرا له . وعلى التقادير قد استفدت منه ما تنتفع به ، وينبغي لك أن تغتنمه وتبادر إلى إزالة عيبك . وإن كان كاذبا مفتريا عليك بما أنت منه برئ ، فينبغي لك أيضا ألا تكره ذلك ولا تشتغل بذمه ، لأنك وإن خلوت من ذلك العيب إلا أنك لا تخلو من عيب آخر مساوية له وأفحش منها ، فاشكر الله تعالى على أنه سترها ولم يطلع أحدا عليها ، ودفعها بذكر ما أنت منه برئ ، مع أنه كفارة لبقية مساويك . ومن ذمك أهدى إليك حسناته وجني على دينه حتى سقط من عين الله وأهلك نفسه بافترائه عليك ، فما بالك تحزن بحط ذنوبك وإهداء الحسنات إليك ؟ ولم تغضب عليه ، مع أن الله سبحانه غضب عليه وأبعده من رحمته ؟ فإن ذلك كاف لانتقامك منه . وصل ضد حب المدح ضد حب المدح وكراهة الذم : إما كراهة المدح وحب الذم ، أو مساواتهما عنده بحيث لا تسره المدحة ولا تغمه المذمة . وقد تقدم بعض الأخبار الدالة على ذم من لم يتصف بالحالة الأولى . وهي وإن كانت نادرة الوجود ، إذ ما أقل على بسيط الأرض - ( لا ) سيما في هذه الأعصار - من تستوي عنده المدحة والمذمة ، فضلا عمن يكره المدح ويسر بالذم ، إلا أن تحصيلها ممكن إذ كل من عرف أن المدح مضر بدينه وقاصم لظهره ، فلا بد أن يكرهه ويبغض المادح ، لو كان عاقلا مشفقا على نفسه . وكذا من عرف أن الذام له يرشده إلى عيوبه ويهدي إليه بعض حسناته ، لا بد أن يحبه ويسر بذمه . وأما الحالة الثانية ، فهي أولى درجات الكمال ، ومن لم يتصف بها